الاستعمار الصهيوني للمياه
127 Views

الاستعمار الصهيوني للمياه

أدت موجات الجفاف الواسعة والنمو السكاني وسوء الإدارة إلى استنزاف موارد المياه في منطقة غرب آسيا إلى تطور الوضع لحد الأزمة المائية؛ إذ تُستهلك معظم المياه الصالحة للاستخدام بالكامل تقريبًا، مما يزيد من احتمالية نشوب اضطرابات اجتماعية وصراعات مسلحة وصراعات دولية. ولم تُحل المشكلة أيضًا التقنيات التكنولوجية المبتكرة مثل محطات تحلية المياه وغيرها.

لقد تمكنت الدول والأنظمة التي تمتلك موارد مائية أو تكنولوجيا مستثمرة (مثل إسرائيل التي تمتلك محطات تحلية مياه) من استخدام النفوذ على موارد المياه كأداة للضغط السياسي والأمني. ويُشكل هذا تهديدًا خاصًا للدول التي لا تتمتع بإمكانية الوصول المباشر إلى الموارد السطحية.

وهناك أمثلة بارزة؛ مثل تركيا التي تتمتع بسيطرة طبيعية على مياه المصب (العراق وسوريا) من خلال بناء سدود ضخمة على نهري دجلة والفرات، أو النظام الإسرائيلي الذي عزز سيطرته على موارد المياه من خلال الاستثمار في تقنيات جديدة.(1)

لقد مكّن تطوير التقنيات المتقدمة، مثل معالجة مياه الصرف الصحي وإعادة تدوير المياه، وتحلية المياه، النظام الصهيوني من التغلب على أزماته المائية و زيادة الضغط على جيرانه. في الواقع، فإن استمرار هيمنة النظام الإسرائيلي على المياه قد تركه بلا أي حافز لحل القضية الفلسطينية سياسيًا أو تحقيق حل الدولتين. لقد أصبحت المياه رافعة سياسية و ذريعة للضغط واستمرار للوضع الراهن.

يعتمد كلاً من الأردن وفلسطين اعتمادًا كبيرًا على النظام الإسرائيلي في موارد المياه. ورغم جهوده لإدارة موارد محدودة لا يزال الأردن يواجه نقصًا في المياه، كما أن الفلسطينيين يخضعون لسيطرة إسرائيلية كاملة على موارد المياه. لذلك يستخدم النظام الإسرائيلي السيطرة على موارد المياه كأداة للضغط السياسي والعسكري. في غزة يُعد تدمير محطات تحلية المياه وضخ المياه في شبكة أنفاق حماس مثالين على هذا النهج.(2)

عادةً ما يُنظر إلى مكانة المياه في العلاقات بين إسرائيل والأردن والسلطة الفلسطينية من منظور أحادي البعد، يركز على الإفراط الإسرائيلي في استغلال موارد المياه في نهر الأردن. تجلى هذا بشكل خاص بعد اكتمال خط أنابيب المياه الوطني الإسرائيلي عام ١٩٦٤، والذي ينقل المياه من بحيرة طبريا إلى جنوب البلاد المكتظ بالسكان والجاف لأغراض الشرب والزراعة. وكثيرًا ما تجاوز الاستخدام الإسرائيلي حدود الاستهلاك .(3)

وبسيطرته على موارد المياه في الأردن والأراضي الفلسطينية، يقع النظام الإسرائيلي في حلقة مفرغة: فهذه السيطرة تُفاقم أزمة ندرة المياه في المنطقة، مما يُوفر بدوره حافزًا للحفاظ على هيمنته وتعميقها.

ولم يكن أمام الأردن نظرًا لضعفه الاقتصادي ونموه السكاني ومحدودية موارده، خيار سوى الاعتماد على المياه الإسرائيلية. كما يُعاني الفلسطينيون من ظروف أسوأ في ظل الاحتلال والتوسع الاستيطاني ونقص حاد في البنية التحتية. كما أدت حرب غزة الأخيرة إلى انهيار البنية التحتية كما وردت تقارير عن تلويث إسرائيل لموارد المياه وتدمير مرافق إعادة التدوير ومحطات تحلية المياه مما أدى إلى تعميق الأزمة.

وتزداد أزمة المياه التي تواجه المنطقة حدةً في الأردن وخاصة فلسطين، بسبب هيمنة إسرائيل على المياه وما ينتج عنها من اختلال في توازن القوى. لقد تضمنت عملية السلام تعاونًا بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، لكن صعود نتنياهو أحبط هذه الخطة. لم يؤدِّ هذا إلى زيادة سيطرة إسرائيل على الأراضي المحتلة فحسب، بل أدى أيضًا إلى انقسامات داخلية في فلسطين. وقد رأينا أن هذا الخلل سمح للنظام الإسرائيلي بالسيطرة على موارد المياه واستغلالها بشكل أساسي، مما عزز هيمنته المائية على الأراضي الفلسطينية.

كما أدى نمط حياة المستوطنين الأوروبيين في الأراضي المحتلة (على سبيل المثال، الإصرار على وجود مسبح في كل فيلا للمستوطنين) والاستغلال المفرط للمياه الزراعية إلى شحّ حاد في موارد المياه بالمنطقة بأكملها، كما يتضح من تحول البحر الميت ونهر الأردن إلى مستنقع كريه الرائحة ومئات نقاط الصرف في جميع أنحاء الأراضي المحتلة.

مشكلة المياه ليست مجرد استهلاك إسرائيلي مفرط للمياه. فاليوم يستطيع النظام الصهيوني توفير الجزء الأكبر من مياهه المنزلية من خلال محطات تحلية ضخمة مما يقلل من سحب المياه الجوفية الحالية. وسيُمكّن اكتشاف موارد غاز بحرية كبيرة في البحر الأبيض المتوسط من مواصلة تحلية المياه لعقود قادمة، حتى في حال عدم إيجاد حل آخر. وقد مكّن هذا التقدم التكنولوجي ومعالجة مياه الصرف الصحي وإعادة تدويرها إسرائيل من ترسيخ هيمنتها .(4)

وأخيرًا، مع تفاقم تغير المناخ ستتعرض موارد المياه لضغوط أكبر وستزداد الصراعات المتعلقة بالمياه حدةً وتعقيدًا. وقد تشمل فقدان الأمن الغذائي، ونهجًا سياسيًا غير قابل للتجزئة، وتزايد مخاطر الصراع الدولي. عندما يواجه جيران النظام الصهيوني شحًا في المياه، سيجبرون على قبول تنازلات سياسية وأمنية للبقاء على قيد الحياة. وهذا ما يُمكن تسميته "الاستعمار المائي" أو الهيمنة المائية. ببساطة يستخدم النظام الصهيوني المياه كأداة جيوسياسية، تمامًا كما تستخدم بعض الدول النفط أو الغاز للضغط. في الواقع، يُمكن القول إن أنظمةً مثل إسرائيل التي تسيطر على موارد المياه في مثل هذه الظروف، تستغل التوتر المناخي في دول أخرى، وتهددها بالانهيار، ثم تنهب مواردها دون عناء، وتمنع إعادة بناء الدولة القومية فيها مستخدمةً سلاح العقوبات والحروب الأبدية.

من المتوقع أنه بحلول عام 2050، ستعاني جميع دول منطقة غرب آسيا من شحّ مائي حاد. ويعود هذا الشحّ إلى تغير المناخ والإفراط في استخدام موارد المياه، والتوترات السياسية. في مناطق مثل غزة أدى انقطاع المياه وتدمير البنية التحتية للمياه والصرف الصحي، ومحدودية الوصول إلى الوقود اللازم لضخ المياه ومعالجتها، إلى انتشار الأمراض المنقولة بالمياه، مثل شلل الأطفال والكوليرا. لذلك تجدر الإشارة إلى أن الأمن المائي في منطقة غرب آسيا لا يمكن تحقيقه فقط من خلال النهج السياسي والتعاون الإقليمي والدولي، بل يمكن تحقيقه أيضًا من خلال السياسات المحلية للحكومات وتغيير أنماط الحياة لتحقيق الاستخدام الأمثل لموارد المياه، إذ لا يمكن للحلول التقنية أن تكون فعالة دون الوعي المحلي وحل النزاعات الإقليمية والدولية. (5)



حكيمة زعيم باشي

[1]https://worldview.stratfor.com/article/geopolitics-water-middle-east-water-will-increasingly-become-weapon-and-driver-conflict?utm_source=chatgpt.com
[2]https://mepc.org/commentaries/the-water-cycle-inequality-in-israel-jordan-and-the-occupied-territories/?utm_source=chatgpt.com
[3]https://mepc.org/commentaries/the-water-cycle-inequality-in-israel-jordan-and-the-occupied-territories/?utm_source=chatgpt.com
[4] https://mepc.org/essays/israeli-hydro-hegemony-and-the-gaza-war/?utm_source=chatgpt.com
[5] https://www.csis.org/analysis/thirst-power-overcoming-politics-water-middle-east?utm_source=chatgpt.com
لا توجد تعليقات لهذا المنصب.
الرأي
إرسال تعليق لهذا المقال