شهد مسار الصادرات البريطانية إلى الولايات المتحدة اتجاهًا تنازليًا في السنوات الأخيرة وهو اتجاه يعكس التطورات الاقتصادية العالمية الأوسع نطاقًا، ونتيجة مباشرة لسياسات التعريفات الجمركية التي تنتهجها إدارة دونالد ترامب. مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، فُرض نظام تعريفات جمركية جديد، يشمل رسومًا جمركية بنسبة 10% على الواردات من المملكة المتحدة، وفي بعض الحالات رسومًا أعلى على سلع مثل الصلب والسيارات.
تسببت هذه السياسات تحت شعار "أمريكا أولًا"، في انخفاض حاد في الصادرات البريطانية وسلّطت الضوء على نقاط الضعف التي أعقبت خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. أظهرت البيانات الرسمية الصادرة عن مكتب الإحصاءات الوطنية (ONS) في يونيو 2025 أن صادرات السلع إلى الولايات المتحدة انخفضت إلى 3.9 مليار جنيه إسترليني، وهو أدنى مستوى منذ فبراير 2022. ولم يوجه هذا الانخفاض ضربة للعلاقات التجارية الثنائية فحسب، بل أثار أيضًا تساؤلات حول مستقبل العلاقة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لا سيما في ظل المفاوضات الأخيرة بشأن اتفاقية تجارية تسعى الولايات المتحدة من خلالها إلى تعزيز مصالحها الخاصة.[1]
بالإضافة إلى ذلك، كان الانخفاض في صادرات المملكة المتحدة إلى الولايات المتحدة كبيرًا ومستدامًا على مدى السنوات الثلاث الماضية. في يونيو 2025 انخفضت صادرات السلع بمقدار 0.7 مليار جنيه إسترليني (14.5٪) مقارنة بشهر مايو لتصل إلى أدنى مستوى لها منذ أكثر من ثلاث سنوات. وعلى أساس ربع سنوي شهد الربع الثاني من عام 2025 انخفاضًا قدره 4.7 مليار جنيه إسترليني (13.5٪) مقارنة بالعام السابق، وخاصة في قطاعي الكيماويات وآلات النقل.[2]
لا تزال الولايات المتحدة أكبر سوق تصدير منفردة للمملكة المتحدة، مع التركيز على الآلات والسيارات وتقنيات الفضاء والأدوية والخدمات المالية. لكن هذا التراجع الهيكلي يعكس ضغوطًا مستمرة على الاقتصاد البريطاني، وليس مجرد عثرة مؤقتة وقصر باكنغهام يدرك ذلك جيدًا.
كان الضغط أقوى على قطاع التصنيع وكانت الصناعات المرتبطة بسلاسل التوريد العالمية مثل صناعة السيارات والفضاء، الأكثر تضررًا، حيث استهدفت التعريفات الجمركية السلع ذات القيمة المضافة العالية.
بالنسبة للشركات البريطانية، أدى هذا التراجع إلى انخفاض الإيرادات ومحدودية الاستثمار وتسريح العمال وفقدان القدرة التنافسية. وظلت دول منافسة مثل ألمانيا واليابان جذابة للسوق الأمريكية بينما سجلت المصانع البريطانية أكبر انخفاض في طلبات التصدير منذ خمس سنوات.
وتتمثل سياسات ترامب الحمائية في قلب هذا التراجع. فقد فُرضت تعريفات جمركية بنسبة 10% على الواردات البريطانية اعتبارًا من أبريل 2025، وتكثفت السياسات الحمائية بارتفاع المعدلات على الصلب (25%) والسيارات.
وقد أدت هذه الإجراءات، المصممة لدعم الصناعات الأمريكية المحلية إلى رفع سعر السلع البريطانية في السوق الأمريكية، مما جعلها أقل جاذبية. في أبريل سجلت الصادرات البريطانية انخفاضًا قياسيًا بلغ 2 مليار جنيه إسترليني (33%)، وهو أكبر انخفاض شهري منذ عام 1997.[3]
تجاوزت عواقب هذا الأمر الصناعات المستهدفة. فقد أدت اضطرابات سلاسل التوريد إلى زيادة التكاليف، كما أثار عدم اليقين بشأن السياسة التجارية الأمريكية قلق المستثمرين. وقد توقفت العديد من الشركات، مثل جاكوار لاند روفر، عن التصدير إلى الولايات المتحدة، مما عرض آلاف الوظائف للخطر. وقد أدت هذه السياسات إلى زيادة التركيز على الأسواق الآسيوية أو حتى الاتحاد الأوروبي. ويأتي هذا التباطؤ الاقتصادي قبل محادثات تجارية رئيسية، مما أضعف موقف بريطانيا.
وكانت بريطانيا تسعى إلى اتفاقية تجارة حرة شاملة بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي لكن تراجع الصادرات أضعف نفوذ لندن التفاوضي. في مايو 2025 تم توقيع اتفاقية "الازدهار والكساد" التي من شأنها خفض الرسوم الجمركية على السيارات والصلب والألمنيوم، وتدخل حيز التنفيذ في يونيو. ومع ذلك ومع تطبيق الرسوم الجمركية، واجه المفاوضون البريطانيون تحديات في الحصول على إعفاءات وقد يضطرون إلى تقديم تنازلات بشأن قواعد ولوائح الزراعة أو الاستيراد. رغم ذلك بدون حلول سريعة، سيزداد العجز التجاري للمملكة المتحدة، مما قد يؤدي إلى هزيمتها في الانتخابات المقبلة.
اقتصاديًا، يُمثل هذا التراجع ضربةً للتجارة الخارجية للمملكة المتحدة، والتي كانت حيويةً لتعويض آثار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. انكمش اقتصاد المملكة المتحدة بنسبة 0.3% في أبريل 2025، ويعزى ذلك جزئيًا إلى انخفاض الصادرات ونظام التعريفات الجمركية الأمريكي. وتشمل الآثار الأخرى انخفاض الإنتاج، وفقدان الوظائف، والضغط على سلاسل التوريد. تُظهر هذه الأحداث أن الاعتماد على السوق الأمريكية محفوف بالمخاطر، وتُبرز الحاجة إلى التنويع والانتقال إلى آسيا أو الاتحاد الأوروبي.[4]
سياسيًا، يُزيد هذا من تعقيد العلاقات عبر الأطلسي. تستند "العلاقة الخاصة" إلى التجارة والدفاع والقيم المشتركة، لكن التعريفات الجمركية زادت من التوترات في حلف شمال الأطلسي (الناتو) والأمن العالمي، مما قد يُشكل تحديات إضافية لهذه العلاقات، وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد يمتد إلى المجالات الدبلوماسية، مما يدفع المملكة المتحدة نحو تكامل أعمق مع أوروبا.
تشمل العواقب العالمية لعدم الاستقرار هذا تقلبات السوق وتنشيط سياسة الانتقام. يتوقع جي بي مورغان تباطؤًا في النمو العالمي بحلول عام 2025، على الرغم من أن الاتفاق الجديد قد يُخفف بعضًا من هذا التأثير. يتجاوز انخفاض صادرات المملكة المتحدة إلى الولايات المتحدة الإحصاءات ويسلط الضوء على نقاط ضعف استراتيجية لندن التجارية. تحتاج المملكة المتحدة إلى التعاون مع الولايات المتحدة للحفاظ على مكانتها في النظام الدولي، ولكن إذا استمر هذا الاتجاه والركود، فسيشكل ذلك تحديات خطيرة. لذلك، ستحتاج المملكة المتحدة إلى التحرك نحو توازن في التعاون الاقتصادي والسياسي مع الولايات المتحدة، وإذا لم يفهم كلا الجانبين ذلك بشكل صحيح فقد يصبح تحديًا استراتيجيًا في العلاقة. كما أن نهج ترامب غير المتوقع تجاه الحلفاء الأوروبيين سيجعل هذه العملية أكثر صعوبة ويمهد الطريق لقطيعة بريطانية طويلة الأمد مع الولايات المتحدة. في ظل هذه الظروف يُعد انخفاض الصادرات تحذيرًا صارخًا بأن على بريطانيا إدارة علاقاتها ببراغماتية ومرونة، وإلا فقد تفقد "العلاقة الخاصة" وجاذبيتها في عالم تنافسي ومتغير.
الرأي
إرسال تعليق لهذا المقال