السويداء بين الحصار والعدالة
622 Views

السويداء بين الحصار والعدالة

مازالت محافظة السويداء السورية وأهلها تنتظرُ تحرك المجتمع الدولي وتطبيق المسار السياسي لحل الأزمة في الجنوب السوري، بعد تعرض المنطقة لانتهاكات واسعة من قبل جماعات مسلحة عشائرية مدعومة من جهات حكومية وهو تطور يعيد طرح سؤال الشرعية والحقوق الأساسية للمواطنين في ظل صراع معقد يعكس إعادة تشكل قوى النفوذ في البلاد. تسعى هذه المقالة إلى تحليل الوضع الحرج في السويداء، مع قراءة في التغطية الإعلامية الدولية، وتقييم للتبعات الإنسانية والسياسية، إضافة إلى مناقشة آليات الاستجابة الدولية وتوازنات القوة الإقليمية.

الحصار الإنساني المفروض و واقع المعيشة الصعب
وفقًا لما نشرته وكالة فرانس برس وتقارير مستقلة أخرى، يعاني سكان السويداء من حصار شامل لأكثر من شهر، مع نقص حاد في الماء والكهرباء ومشتقات النفط والدواء وتراجع وصول المساعدات الإنسانية الأساسية. في الواقع إن أبعاد الحصار تتجاوز المعاناة اليومية لتطال الصحة العامة و الأمن الغذائي والقدرة على الوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الطبية والتغذية[1].

هذا الحصار ليس مجرد أزمة إنسانية عابرة بل يوضح ديناميات القوة الميدانية وتوزيع النفوذ على الأرض، كما يكشف عن مدى قدرة الأطراف الدولية والإقليمية على التحرك بسرعة لحماية المدنيين أو على الأقل تقليل المعاناة. وفي الإطار الإعلامي للقضية أصبحت التغطية الدولية لهذه الأزمة تسهم في تشكيل الرأي العام العالمي ضد مايحدث وماحدث أثناء دخول السويداء من جرائم تصل لمستوى الإبادة الجماعية، ولابد من ضخ إعلامي يُفرض على الأطراف المعنية لفتح مسارات عبور آمنة وتوفير مساحات إنسانية قابلة للمراقبة، وهذا كان في الغالب سبب عقد اللقاء في باريس بين الشيخ موفق طريف زعيم الطائفة الروحية الدرزية في إسرائيل مع ممثل الرئيس الأمريكي توم براك حيث تم بحث مصير المختطفين والمعتقلين وفتح ممر إنساني لفك الحصار المفروض.[2]

المطالبة الدولية بتدخل فاعل وإعادة فتح المعابر
تشير التقارير الميدانية إلى وجود دعوات من أهالي السويداء إلى تدخل دولي فوري، مع المطالبة بإعادة فتح المعابر أمام المساعدات الإنسانية والتنسيق بين الجهات الدولية لتأمين مرور آمن وبعيد عن التجاوزات السياسية.

في الحقيقة إمكانية الاستجابة الدولية، تحتاج إلى توازن بين حفظ الأرواح واعتبارات الاستقرار الإقليمي وتنسيق مع سلطة الأمر الواقع المؤقتة في دمشق مع ضمانات لشفافية آليات التوزيع ومراقبة وصول المساعدات إلى المحتاجين دون انتقائية أو ازدواجية في المعايير، جميع سكان المنطقة الجنوبية من عشائر سنة و مواطنين دروز يحتاجون المساعدات والحاجات الأساسية، لذا لابد من توزيع عادل بين المناطق والريف والمحافظة.

سياسياً، الدعوات إلى تدخل مباشر تفتح نقاشات حول صلاحيات مجلس الأمن ومهام الجهات الدولية الداعمة، ومسؤوليات الدول الكبرى في حماية المدنيين في صراعات معقدة تندمج فيها جوانب عسكرية وسياسية وتعبوية محلية. طبعاً هذا في حال تم التوافق عليه مع حكومة دمشق ، البارحة أصدرت الخارجية السورية بياناً بأن لا ممرات إنسانية إلا عن طريق الحكومة ومن داخل الأراضي السورية وليس من خارجها ولن تسمح لإنشاء معابر أو ممرات إنسانية خارج نطاق الدولة أو عن طريق الحكومة عبر المنظمات الدولية العاملة.[3]

مظاهرات احتجاجية تحت شعار "حق تقرير المصير"
تعالت الأصوات في قلب السويداء وجاء صوت مدني يعكس عمق الانقسام والبحث عن هوية الكرامة والعيش بأمان، فقد بات هذا المطلب الوحيد عند كل الأقليات والمكونات في سوريا الشرع، لقد تم رصد مظاهرات في السويداء رفعت شعار "حق تقرير المصير"، كإشارة إلى إحساس السكان بانعدام التمثيل والحرمان من خيارات سياسية مستقلة قد تعكس مصالحهم، وهو تعبير عن حالة احتقان تتمدد في سياق وجود مجاميع مسلّحة وتدخلات خارجية.

هذا الشعار يعكس رغبة السكان في الاعتراف بهم كطرف فاعل في المعادلة السياسية السورية، ويستدعي نقاشاً حول مفهوم الهوية الإدارية والتمثيل السياسي ضمن إطار دولة سورية موحدة أو اتحادات محلية ذات قدر من الاستقلالية والخصوصية .

تشير التقارير حول مظاهرة السويداء إلى أن المحتجين رفعوا لافتات كُتب على إحداها "حق تقرير المصير، حق مقدّس للسويداء"، وعلى أخرى "نطالب بفتح معبر إنساني"، وكذلك "أخرجوا الأمن العام من قرانا" كما اعتلت المنصة سيدة طالبت بـ"الاستقلال التام" وقالت "لا نريد إدارة ذاتية ولا حكما فدراليا، نريد استقلالا تاما"، وسط تصفيق حار من الحضور بحسب ما أظهر مقطع فيديو، نشره المرصد السوري لحقوق الإنسان ضمن تدوينة على منصة إكس.[4]

تلك الاحتجاجات تسلط الضوء على حدود الأمن والاستقرار في منطقة تتعرض لاستقطابات وتنافس قوى متعددة، وتفرض على المجتمع الدولي إعادة طرح أسئلة حول حماية الحريات الأساسية في سياق مكافحة الإرهاب والعنف المنفلت، وتوفير مساحة للمشاركة المدنية الآمنة، وماحصل في السويداء خلق ردة فعل عنيفة من قبل أهالي الضحايا والمنكوبين فلم تعد لديهم ثقة في إجراءات الحكومة ومدى محاسبة مرتكبي الجرائم، ولهذا تعالت الأصوات من قلب السويداء.

الشعور بالظلم والإهانة
لاشك أن الأحداث التي وقعت على الأهالي في السويداء من جرائم وقتل طائفي متعمد وحرق الممتلكات لن يقبل بها أي شخص مسؤول أو غير مسؤول في حكومة دمشق، لا بل إن ثورة ٢٠١١ قامت بسبب تعديات النظام السابق واستخدامه العنف ضد المدنيين، لذا لابد من النقد البنّاء لرفض تحميل السكان مسؤولية ردود أفعالهم التي من وجهة نظرهم كانت هي دفاع عن النفس والكرامة وخاصة أن من تعرض للإهانات هم رجال مسنون لهم قيمتهم الإجتماعية والدينية بعد حلق شواربهم وإطلاق عبارات مهينة بحقهم من قبل صبية مسلحون لا تتجاوز أعمارهم ٢٠ عام.

وتبدي الناشطة الحقوقية من السويداء رفا أبو مغضب في حديث إلى "اندبندنت عربية" استغرابها مما تشهده مدينتها من هجوم غير مسبوق على البشر، ولا سيما الطريقة المهينة في حق رجال البلد بحلق شواربهم وما صاحبه من إهانات، وسط تسجيل اعتقالات تعسفية ونزوح القاطنين إلى القرى الشرقية، ومن بقي يخشى عليه، وفق رأيها، بعد اقتحام عناصر مسلحة البيوت وسرقتها وقتل العزل. [5]

يعبّر سكان السويداء عن أن الاعتداء عليهم لم يكن "أمراً طبيعياً" وأن تحميلهم مسؤولية ردود أفعالهم الاحتجاجية غير عادل، مما يعكس إحساساً عميقاً بالظلم وفقدان الثقة في آليات الحماية والحل السياسي. التظاهرات والاحتجاجات السلمية هي آليات شرعية للتعبير عن الاعتراض والضغط من أجل الوصول إلى حلول إنسانية وسياسية؛ أي ممارسة لقيم حقوق الإنسان يجب أن تحظى بحماية وتوجيه يحفظ كرامة المدنيين ويحميهم من العنف.

العواقب الإنسانية والسياسية
إن استمرار الوضع الراهن يعمق الأزمة الإنسانية في السويداء ويمتد تأثيره إلى بنية سوريا السياسية والاجتماعية بأكملها حتى عند باقي المكونات، بما يشمل تقويض فرص الحل السياسي واستقرار المنطقة ككل.

إن نقص الموارد الأساسية والهياكل الخدماتية إلى جانب انعدام آليات حماية فعّالة للسكان المدنيين، يخلق بيئة هشة تؤدي إلى تفاقم الآفات الصحية و سوء التغذية وتدهور سبل العيش.

كما إن استمرار الانقسام وتنامي العنف المسلح يعمّقان خطاب الشرعية ويفتحان باباً للمناورات الدولية والإقليمية التي قد تزيد من تعقيد المشهد وتقلل من فرص التفاوض البنّاء، واعتقد هذا ماوصل إليه الوضع في الجنوب ، بانتظار فرصة سياسية وحلول جامعة برعاية الدول الداعمة، و أي مسار حل مستقبلي يجب أن يلتزم بكرامة المدنيين،و يضمن وصول المساعدات بشكل شفاف وآمن، ويعيد تشكيل إطار المساءلة والمحاسبة و مراعاة التوازنات الإقليمية وتعدد الأطراف المعنية.

الخاتمة
الوضع في السويداء يبرز كيف يمكن للأزمات الإنسانية أن تتحول إلى معادلات سياسية تتداخل فيها المصالح الدولية مع الحق في الحياة والكرامة الإنسانية، وتبقى التغطية الإعلامية الدولية والمحلية عامل ضغط ومرآة أمام الجهات المعنية في الاستجابة الفعالة، لكنها لا تحل المشكلة وحدها؛ فالحلول المستدامة تتطلب توافقاً حقوقياً وسياسياً يراعي حماية المدنيين، وتسهيل وصول المساعدة وإيجاد مسارات سياسية تقود إلى حل يعترف بمكانة السكان وحقوقهم ويحفظ وحدة البلد.


محمد يزن الحمادي

[1] https://rozpress.net/?p=41582
[2] https://2h.ae/jotz
[3] https://2h.ae/cYij
[4] https://2h.ae/cckX
[5] https://2h.ae/pKIy
لا توجد تعليقات لهذا المنصب.
الرأي
إرسال تعليق لهذا المقال