IUVM Press

IUVM Press

سويسرا وتغيير عقيدتها بعد 200 عام!

Friday, January 2, 2026 153 المشاهدات

ربما لم يتوقع الكثيرون أن تؤدي الحرب الروسية الأوكرانية إلى تحول جذري في مفاهيم وعقيدة الحياد السويسري. فقد لعبت سويسرا دور الدولة المحايدة في النظام الدولي لأكثر من 200 عام، ولكن يبدو الآن أنها تسعى إلى تغييرات عميقة في عقيدتها الدفاعية والأمنية، حيث تسعى سويسرا حاليًا إلى تحديث قدراتها العسكرية لمواجهة الحروب الحديثة مع الحفاظ على مبدأ الحياد، ظاهريًا على الأقل لتتمكن من مواجهة التهديدات الجديدة.

ربما لم يتوقع الكثيرون أن تؤدي الحرب الروسية الأوكرانية إلى تحول جذري في مفاهيم وعقيدة الحياد السويسري. فقد لعبت سويسرا دور الدولة المحايدة في النظام الدولي لأكثر من 200 عام، ولكن يبدو الآن أنها تسعى إلى تغييرات عميقة في عقيدتها الدفاعية والأمنية، حيث تسعى سويسرا حاليًا إلى تحديث قدراتها العسكرية لمواجهة الحروب الحديثة مع الحفاظ على مبدأ الحياد، ظاهريًا على الأقل لتتمكن من مواجهة التهديدات الجديدة.

يمثل تغيير العقيدة السويسرية التقليدية صفعة قوية للمؤسسية الليبرالية في عصرنا الحالي. ويمكن القول إن هذا التغيير في العقيدة يرمز إلى نهاية حقبة المؤسسية الليبرالية في النظام العالمي وعودة الواقعية. لقد اعتُبرت المؤسسية التي أكدت على القانون الدولي وسعت إلى منع الفوضى في بنية النظام الدولي، مبدأً أساسيًا في سويسرا لعقود، ولهذا السبب حافظت البلاد على نهجها المحايد. مع ذلك ترى سويسرا إدراكًا منها أن نهجها المحايد لم يعد له مكان في النظام الدولي المتطور أنها تسعى إلى تطبيق مبدأ الاعتماد على الذات في بنية النظام العالمي. في هذا الإطار لا يكون الحياد فعالًا إلا إذا كان مقبولًا ومضمونًا من قبل القوى المحيطة، وإلا يتعين على الحكومات الحفاظ على مستوى مناسب من القدرات العسكرية والدفاعية. لذا تسعى برن العاصمة إلى تعزيز موقفها المحايد من خلال تجهيز القوات المسلحة وتحسين ترسانتها الدفاعية. ويكمن جوهر القضية في سويسرا في تأكيد مسؤوليها الدفاعيين على ضرورة الإسراع قدر الإمكان في تحديث الجيش وتعزيز القدرات الدفاعية وتحسين عمليات التدريب. ووفقًا لقائد الجيش السويسري لا يمتلك حاليًا سوى ثلث قواته مجهزة بالكامل وجاهزة للقتال مما يمثل نقطة ضعف كبيرة في البنية العسكرية للبلاد. كما يؤكد المسؤولون أن الحياد في ظل هذه الظروف، لم يعد يُعتبر رصيدًا أمنيًا بل نقطة ضعف استراتيجية محتملة ما لم يكن مصحوبًا بقدرة ردع موثوقة وفعّالة[1].

إضافةً إلى ذلك زادت الحكومة السويسرية ميزانيتها الدفاعية منذ حرب أوكرانيا، وتسعى إلى الوصول إلى واحد بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. في الواقع يُعدّ هذا الإجراء استجابةً للمعضلة الأمنية التي تفاقمت في أوروبا خلال السنوات الأخيرة. تسعى حكومة برن إلى تعزيز قدرتها على الدفاع عن نفسها بشكل مستقل ومواجهة التهديدات المعادية. وتتماشى هذه الزيادة في الميزانية مع التغيير الواضح في العقيدة العسكرية، حيث أدرك رجال الدولة والجيش السويسريون ضرورة امتلاك قوة ردع كافية. وفي هذا السياق يمكننا دراسة جهود الحكومة السويسرية في تجهيز وشراء المعدات الدفاعية.

عند دراسة أسباب شراء معدات مدرعة جديدة وطائرات مقاتلة من طراز إف-35، تجدر الإشارة إلى أن تغيير العقيدة يتطلب تغيير الأدوات. لسنوات اتبعت سويسرا استراتيجية "القنفذ" في الأمن والدفاع، ما يعني أن هيكل معداتها كان ثابتًا ويعتمد على تضاريسها الجبلية الوعرة. أما الآن ومع تطور التهديدات وتغير طبيعة المعارك الحديثة تسعى البلاد أيضًا إلى تغيير نهجها العسكري. ويُظهر شراء المدفعية المتنقلة أن برن قد اتجهت نحو استراتيجية دفاعية سريعة وفعّالة لتعزيز قدرتها على الردع ضد الأعداء. إضافةً إلى ذلك لا يقتصر شراء طائرات إف-35 على تعزيز القوات الجوية السويسرية فحسب، بل يشمل أيضاً الانضمام إلى شبكة أمنية واستخباراتية واسعة النطاق على المستويين الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. وهذا يمنح سويسرا إمكانية الوصول إلى مظلة الأمن التابعة لحلف شمال الأطلسي دون أن تكون عضواً فيه[2].

بالإضافة إلى ذلك، يُظهر انضمام سويسرا إلى معاهدة الأمن الجوي الأوروبية أنها حددت موقعها في النظام الأمني ​​الأوروبي إلى جانب فرنسا وألمانيا وإيطاليا، بل وفي أوروبا الغربية عمومًا وهذا يدل على أن الحياد التقليدي لم يعد منطقيًا في أوروبا، وأن سويسرا تتجه نحو حياد تكيفي قائم على مصالحها والمنطقة الأمنية التي تقع فيها. هذه المنطقة الأمنية ليست دفاعية بحتة بل إن قيمها ومبادئها الثقافية متوافقة وقريبة من قيم ومبادئ الحلفاء الغربيين مما سهّل قبول سويسرا.[3]

باختصار تُظهر التطورات الأخيرة أن سويسرا تُعيد تعريف الحياد من مبدأ معياري مطلق إلى استراتيجية مشروطة وفعّالة. تسعى البلاد إلى تحقيق توازن بين الحفاظ على استقلالها السياسي وقبول حقائق الأمن الأوروبي. من منظور واقعي يُعد هذا المسار محاولة لاستعادة مكانتها في النظام الدولي المتطور. ومن منظور أمني فهو مؤشر على اندماج تدريجي في أنماط الأمن الإقليمي، وهو أمر ربما قاومته البلاد لسنوات. إذن لم تختفِ الحيادية السويسرية لكنها لم تعد الحيادية الكلاسيكية التي سادت في القرن العشرين. ما يتشكل الآن هو نموذج للحياد المسلح نموذج ذكي ومتوافق مع التطورات الجيوسياسية، نموذج يُظهر أن حتى أكثر الدول حيادية لا تستطيع النأي بنفسها عن منطق القوة والأمن في أي مكان في العالم ولا حتى في أوروبا.

أمين مهدي

مقالات ذات صلة
تفوق موسكو الميداني بالتزامن مع المأزق السياسي لحلف الناتو

تفوق موسكو الميداني بالتزامن مع المأزق السياسي لحلف الناتو

عرض المزيد →
الإحتجاج المؤسسي صوت الشعب من أجل الإصلاح!

الإحتجاج المؤسسي صوت الشعب من أجل الإصلاح!

عرض المزيد →
نشر صواريخ فرط صوتية في بيلاروسيا وخطوط حمراء جديدة؟

نشر صواريخ فرط صوتية في بيلاروسيا وخطوط حمراء جديدة؟

عرض المزيد →
تأثير حرب غزة على الاقتصاد الأوروبي

تأثير حرب غزة على الاقتصاد الأوروبي

عرض المزيد →
التعليقات