IUVM Press

IUVM Press

أمريكا تتخلف عن تطوير قوتها العسكرية!

Sunday, December 28, 2025 159 المشاهدات

عُرفت الولايات المتحدة الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية بأنها ترسانة الدفاع العسكري في العالم الغربي وحامية الديمقراطية. ولطالما كانت هذه الدولة بالاعتماد على التكنولوجيا والابتكارات في المجالات العسكرية متقدمة دائما على العالم بخطوات.

عُرفت الولايات المتحدة الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية بأنها ترسانة الدفاع العسكري في العالم الغربي وحامية الديمقراطية. ولطالما كانت هذه الدولة بالاعتماد على التكنولوجيا والابتكارات في المجالات العسكرية متقدمة دائما على العالم بخطوات. ومع ذلك يبدو أنه على الرغم من امتلاكها لأكبر ميزانية دفاعية في العالم، فإنها تواجه مشاكل هيكلية في إعادة إنتاج قوتها العسكرية، وتُسلّم زمام الإنتاج والابتكار إلى منافستها اللدودة الصين. في الواقع تُعاني الولايات المتحدة هيكليًا من مشاكل خطيرة وعميقة في إنتاج الصناعات الدفاعية والتي يجب معالجتها بجدية لحلها.

وفقًا لدراسات أجرتها هيئات تنظيمية ومراكز أبحاث مختلفة تواجه الولايات المتحدة أزمة عميقة في صناعاتها الدفاعية هذا العام. فقد فقدت القدرة على إنتاج المعدات التي يحتاجها الجيش بسرعة وكفاءة. بحسب تقارير حديثة ل (Defense Industrial Base - DIB) يعجز قطاع الصناعات الدفاعية في الولايات المتحدة عن تلبية الطلب المتزايد على المعدات الدفاعية، لا سيما الذخائر مثل قذائف المدفعية عيار 155 ملم وصواريخ ستينغر المستخدمة في المساعدات المقدمة لأوكرانيا. وتكمن جذور هذه الأزمة في نقص العمالة الماهرة وعدم استقرار سلاسل التوريد، وقلة الاستثمار في التقنيات الحديثة. في الواقع القضية المهمة هنا هي النموذج الذي اتبعته الولايات المتحدة في تطوير صناعاتها العسكرية والدفاعية منذ التسعينيات.[1]

وبموجب هذا النموذج دُمجت جميع الشركات العسكرية في خمس شركات عسكرية كبرى، وهو ما عُرف بـ"العشاء الأخير" للصناعة العسكرية الأمريكية. بعد هذه الحادثة، انتقلت احتكارية إنتاج وتوريد المعدات العسكرية والدفاعية للحكومة الأمريكية إلى أيدي هذه الشركات الخمس، التي لم تسعَ إلى الابتكار وخفض التكاليف والتقدم التكنولوجي، بل ركزت على ضمان الربحية وتلبية متطلبات مساهميها. [2]

بالإضافة إلى ذلك تحوّل نهج الإنتاج في الصناعات العسكرية إلى الإنتاج في الوقت المناسب، وهو نموذج مفيد وفعّال في الصناعات المدنية لخفض التكاليف ولكنه أصبح كارثة حقيقية في الصناعات العسكرية والدفاعية الأمريكية. وتكمن هذه الكارثة في عجز المصنّعين العسكريين الأمريكيين عن توفير الاحتياطيات العسكرية الاستراتيجية في الوقت المناسب خلال الحرب الأوكرانية، مما أظهر أن نهج الإنتاج في الوقت المناسب يُشكّل خطراً جسيماً على الأمن القومي الأمريكي. ولا تقتصر هذه الأزمة على الجانب التقني فحسب، بل هي أيضاً نتيجة لسياسات طويلة الأمد أعطت الأولوية للأرباح قصيرة الأجل للشركات وتجاهلت الاستثمار في القدرة الإنتاجية. والنتيجة هي عجز الولايات المتحدة عن الاستجابة للتهديدات على نطاق عالمي حيث لا تستطيع إنتاج أو استبدال المعدات بسرعة وبتكلفة مناسبة.

من أهم تبعات هذه الأزمة على الولايات المتحدة تخلفها التقني مقارنةً بالصين. فقد تفوقت الصين على الولايات المتحدة باستراتيجية دمج القطاعين العسكري والمدني في صناعة بناء السفن، ووضعت الصناعات المدنية في خدمة الصناعات العسكرية، ورفعت طاقتها الإنتاجية بنحو 230 ضعفًا مقارنةً بالولايات المتحدة. ونتيجةً لذلك تمتلك الصين الآن أكبر أسطول بحري في العالم بأكثر من 370 سفينة حربية، وتسعى لزيادة هذا العدد إلى 435 سفينة. في المقابل تمتلك الولايات المتحدة 290 سفينة حربية بعضها ينتظر الإصلاح والصيانة، أحيانًا لأشهر. هذا يعني أنه في حال انجرار الولايات المتحدة والصين إلى توترات وصراعات عسكرية في مضيق تايوان، فإن القدرات الاستراتيجية للجيش الأمريكي ستنهار في أقل من عشرة أيام ولن يكون بالإمكان استبدالها بالسرعة المطلوبة بينما لن تواجه الصين مثل هذه المشكلة. [3]

إضافةً إلى ذلك فإن تباطؤ الشركات الأمريكية الكبرى في ابتكارات الفرط صوتية قد جعلها تتخلف عن الصين. تمتلك الصين عدة أجيال وأنواع من الصواريخ المضادة للسفن التي يمكن استخدامها ضد الأمريكيين، لكن الولايات المتحدة لم تتمكن بعد من تحقيق توازن في هذا المجال لصالحها. من وجهة نظر استراتيجية يُعزى هذا التخلف إلى تركيز الولايات المتحدة المفرط على الأسلحة باهظة الثمن والهشة، بينما تركز الصين على الإنتاج الضخم والابتكار السريع. قد يُغير هذا الوضع موازين القوى في المحيط الهادئ ويُجبر الولايات المتحدة على إعادة النظر استراتيجياً في سياساتها لاحتواء الصين.[4]

أخيرًا تجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة تواجه أزمة هيكلية في إنتاج احتياجاتها العسكرية ولا تقتصر المشكلة على الميزانية فحسب. فغياب بيئة صناعية مرنة والاعتماد على المقاولين الكبار والتخلف في الصناعات الرئيسية كلها مؤشرات على أن الجيش الأمريكي سيواجه تحديات خطيرة في حال نشوب صراع طويل الأمد، كالحرب المحتملة في مضيق تايوان.

لذا لن يكون أمام الجيش الأمريكي مستقبل دون إعادة بناء البنية التحتية، وإصلاح عملية الشراء و التطوير وتعزيز القوى العاملة وسلسلة التوريد. قد تهدد هذه الأزمة الدفاعية هيمنة أمريكا في النظام الدولي وإذا لم يتم تنفيذ الإصلاحات الهيكلية فإن الفجوة بين القوة الحقيقية لها والواقع على الأرض ستتسع أكثر وستتضاءل مصداقية الحكومة الأمريكية بشكل كبير.

محمد مهدي إسماعيل خانيان

مقالات ذات صلة
أكثر رؤساء الولايات المتحدة كذباً

أكثر رؤساء الولايات المتحدة كذباً

عرض المزيد →
إحياء الصين للطاقة النووية

إحياء الصين للطاقة النووية

عرض المزيد →
دليل هزيمة الولايات المتحدة!

دليل هزيمة الولايات المتحدة!

عرض المزيد →
اجتماع فلوريدا في ظل خلافات عميقة

اجتماع فلوريدا في ظل خلافات عميقة

عرض المزيد →
التعليقات