خلال الأشهر الأخيرة حذر العديد من خبراء الأمن الغربيين من التطور السريع للطاقة النووية الصينية، وتُعد هذه القضية وسط تصاعد التوترات بين الصين وتايوان، بمثابة جرس إنذار لحكومة الولايات المتحدة الأمريكية (١). تتنافس الصين مع الولايات المتحدة باستثماراتها الضخمة في هذه الصناعة الاستراتيجية ويتوقع المحللون أن تتجاوز الطاقة النووية الصينية الولايات المتحدة وحتى روسيا في السنوات القادمة. ستتناول هذه الدراسة أبعاد توسع الطاقة النووية الصينية.
الزيادة السريعة في الطاقة النووية: تعمل الصين على زيادة قدرتها على إنتاج الرؤوس الحربية النووية من خلال تطوير وتحديث منشآت سرية. تُعد هذه القدرة ميزة خاصة للقوات العسكرية الصينية، ويمكنها حماية قلب الصين في المعارك المستقبلية المحتملة. من خلال فهم جغرافيتها الشاسعة والاستثمار في إنتاج الرؤوس الحربية النووية، تستطيع الحكومة الصينية تحقيق أقصى درجات الأمن والردع(٢) بفضل صواريخها الباليستية العابرة للقارات، يمكن لجيش البلاد الوصول إلى أي مكان في العالم. ستفتح هذه القدرة العسكرية يد الصين لاتخاذ إجراءات تعسفية ضد القوى الغربية.
توسيع المواقع الرئيسية: شهدت المراكز الهامة في مقاطعة سيتشوان تطوراً واسع النطاق في إنتاج مكونات الرؤوس الحربية، واختبار المتفجرات، وتخزينها(٣). وتشهد مواقع إنتاج الرؤوس الحربية النووية الرئيسية في الصين تقدماً وتوسعاً ملحوظين، ومن منظور أمني ونظراً لقدراتها الدفاعية يصعب على العدو مهاجمة هذه المواقع.
التحول نحو الردع المتقدم: تتجاوز بكين مفهوم الردع الأدنى وتسعى إلى بناء قدرة نووية فعّالة. ففي العقيدة النووية الصينية السابقة، كان التركيز على الضربة الثانية ولكن مع تغيرات التفكير الأمني للحكومة الصينية في السنوات الأخيرة، برز اتجاه جديد في تطوير قدرات الردع لدى بكين حيث ستوسع البلاد قدرتها على توجيه ضربة أولى. وبهذه الاستراتيجية ستتبوأ الصين مكانة مرموقة إلى جانب الولايات المتحدة وروسيا، وإذا لزم الأمر ستكون هي من تبدأ الحرب النووية مما يشير إلى تحول جذري في استراتيجية بكين في النظام الدولي الغربي.
الغموض الاستراتيجي الصيني: يؤدي التعتيم المتعمد على حجم وقوة الترسانة النووية إلى زيادة تكلفة الحسابات والقرارات الاستراتيجية الأمريكية. ويمكن لاستراتيجية الصين المتمثلة في عدم الكشف عن معلومات كاملة حول قدراتها النووية أن تُوقع أعداءها في أخطاء متوقعة. وقد نُفذت هذه الاستراتيجية العسكرية الصينية انطلاقًا من فهم منطق القوة، وبالاستفادة من تجارب العلاقة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية في الأشهر الأخيرة. ويبدو هذا منطقيًا إذ أن المعلومات الرئيسية حول البنية التحتية النووية الإيرانية حصلت عليها الوكالة الدولية للطاقة الذرية من الكيان الصهيوني والولايات المتحدة، وأن الأساس الرئيسي للهجوم غير القانوني على إيران من قبل الدول الغربية كان في الأصل معلومات الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وتُعد هذه الحقيقة درسًا هامًا للصين، ينعكس في استراتيجيتها للغموض النووي.
الحرب النفسية والخطاب الإعلامي الأمريكي: يهدف تسليط الإعلام الأمريكي الضوء على التقارير الناتجة عن الحرب النفسية إلى بثّ شعور "بوجود تهديد فوري من الصين" لدى الرأي العام الأمريكي والكونغرس. يُعتبر هذا الإجراء بمثابة تبرير لزيادة الإنفاق العسكري، وتعزيز الوجود الأمريكي في شرق آسيا، واحتواء بكين اقتصاديًا وسياسيًا. ومن خلال تسليط الضوء على هذه القضية، تسعى وسائل الإعلام الغربية إلى دعم الذراع العسكرية لإدارة ترامب، وفي هذا السياق، قد يؤدي إدراك الصين للتهديد إلى زيادة العقود العسكرية المفروضة على حلفاء أمريكا في شرق آسيا. ويمكن للحرب النفسية التي تشنها وسائل الإعلام الغربية باستمرار أن تخلق سيناريوهات كارثية للنظام الدولي الغربي.
باختصار، يمكن القول إن النمو السريع للصناعة النووية الصينية، التي تتوسع مع التركيز على أبعادها العسكرية، يشير إلى تغيرات جوهرية عميقة في تحركات الصين في السياسة الدولية. ويمكن أن يُظهر التوتر الصيني مع تايوان أبعاد هذه التغيرات، وستتعامل إدارة ترامب بحذر مع هذه القضية، نظرًا لما ورد صراحةً في وثيقة الأمن القومي للبلاد من أن سياستها الخارجية ستُنفذ مع التركيز على مبدأ مونرو وهذا ما يُشير إلى حذر إدارة ترامب تجاه الصين.
امير علي يگانة